بعثت الانتفاضات العربية التي اندلعت عام 2011 آمالًا في إحداث تغيير إيجابي في السياسة الإقليمية في المنطقة العربية. ولم تشكّل هذه الانتفاضات تحدّيًا لسلطة الدول على الصعيد الداخلي فحسب، بل بدت أيضًا عازمة على زعزعة الجيوسياسة الإقليمية، وتغيير موقع المنطقة العربية في النظام الدولي. ومع اندلاع الحروب الأهلية في سورية وليبيا والسودان، والتدخّلات العسكرية في البحرين واليمن، والانتشار غير المسبوق لفاعلين مسلّحين من غير الدول في المنطقة، أحدثت الانتفاضات تحولات مهمة في طبيعة الدولة ودورها على المستويين الإقليمي والدولي. وعلى الرغم من النشأة المصطنعة للدولة العربية وبقائها المحيّر طوال القرن العشرين، فإنها واجهت، في مرحلة ما بعد عام 2011، تحدّيات متزايدة، وبدأت نقاط ضعفها البنيوية في الظهور إلى الواجهة. وفي حين أن الانتفاضات ربما أسهمت في إضعاف الدول العربية داخليًا، فإن التحولات على المستويين الإقليمي والدولي أوجدت، في الوقت نفسه، ظروفًا مواتية لتقويض نظام الدول في المنطقة. تتناول هذه الدراسة الظروف البنيوية، الدولية والإقليمية، التي ساهمت في إعادة صياغة مفهوم الدولة في المنطقة العربية في مرحلة ما بعد انتفاضات عام 2011، وتبيّن كيف أدّت استجابات الدول العربية لهذه الظروف، إلى جانب التداعيات الإقليمية للانتفاضات، إلى تعميق مظاهر التفكّك في بنية الدولة العربية. وفي خضمّ عملية طوفان الأقصى، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وحرب الإبادة الإسرائيلية التي تلتها في المنطقة، تفاقمت عملية تآكل الدولة، مع تعزيز الديناميات التي أفرزتها مرحلة ما بعد عام 2011.