تهتم هذه الدراسة بتطوّر علاقات الدولة - المجتمع وتحولاتها في المنطقة العربية، من منظور المواثيق الاجتماعية وأنظمة الرعاية الاجتماعية. وتسعى للإجابة عن سؤالَين رئيسين: كيف استجابت حكومات المنطقة للحراك الشعبي خلال الانتفاضات العربية وما بعدها؟ وماذا تكشف هذه الاستجابات عن طبيعة الدولة العربية، أو بالأحرى عن الأشكال المتعددة من الدول العربية في المنطقة؟ وتضع الدراسة تطوّرات ما بعد الانتفاضات في سياق مسارات تاريخية تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وتنطلق من هذه الخلفية لتتبّع مساراتٍ متباينة على نحو واضح منذ عام 2010. وتُظهر هذه الاستجابات المتمايزة غياب نموذج واحد لما يمكن تسميته "الدولة العربية"؛ إذ تعكس أنظمة الرعاية الاجتماعية والمواثيق الاجتماعية، في ظل أنماط مختلفة من الاقتصادات السياسية، ما لا يقل عن ثلاثة نماذج متميزة للدولة في المنطقة. ففي الخليج العربي الغني بالنفط، تتيح الفوائض المالية الحفاظ على أنظمة رعاية اجتماعية سخية واستراتيجيات تنموية طموحة، في مقابل ترويج حذر لتعزيز دور القطاع الخاص تحت سيطرة محكمة. أمّا في الدول المتوسطة الدخل، فسرعان ما آلت التنازلات الأولية التي أعقبت الانتفاضات، ولا سيما توسيع الإنفاق الاجتماعي والتوظيف، إلى سياسات تقشفية، وأزمات دين، وبرامج مساعدات موجّهة، وتزايد في القمع؛ ما أسفر عن تراجع الرعاية الاجتماعية وتآكل فرص الطبقة الوسطى. وفي البلدان المنخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات، أدّت الحروب الممتدة وتفكك الدولة إلى تدمير البنى التحتية لأنظمة الرعاية الاجتماعية، تاركةً للفاعلين في المجال الإنساني مهمة سدّ الفراغات التي خلّفتها الدولة.